الشيخ محمد رشيد رضا
105
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثم قال فيهم أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي أولئك الذين يكتمون ما أنزل اللّه الخ أو المجزيون عليه بما ذكرهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى في الدنيا . فاما الهدى فهو كتاب اللّه وشرعه ( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) وأما الضلالة فهي العماية التي لا يهتدي بها الانسان لمقصده ، وتكون باتباع الهوى وآراء الناس في الدين ، وليس لأحد ان يقول في الدين برأيه وهذه الآراء لا ضابط لها ولاحد ، فأهلها في خلاف وشقاق دائم كما سيأتي فمن أجاز لنفسه اتباع أقوال الناس في الاعتقاد والعبادة وأحكام الحلال والحرام فقد ترك الهدى الواضح المبين الذي لا خلاف فيه ، وصار إلى تيه من الآراء مشتبه الاعلام ، يضل به الفهم ، ولا يهتدي فيه الوهم ، وذلك عين اتباع الهوى ، وشراء الضلالة بالهدى ، فان اللّه وحده هو الذي يبين حدود العبودية ، وحقوق الربوبية ، فلا هداية إلا بفهم ما جاء به رسله عنه وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ أي واشتروا العذاب بالمغفرة في الآخرة ، وهذا أثر ما قبله فان متبع الهدى هو الذي يستحق المغفرة لما يفرط منه وما يلّم هو به من السوء ، ومتبع الضلال هو المستحق للعذاب ، ومن دعي إلى الحق يعرف هذا ، فإذا هو اختار الضلالة بعد صحة الدعوة وقيام الحجة فقد اشترى العذاب بالمغفرة ، وكان هو الجاني على نفسه ، إذ استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، غرورا بالعاجل ، واستهانة بالآجل فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ أي ان صبرهم على عذاب النار الذي تعرضوا له مثار العجب ، ذلك بأن عملهم الموصوف في الآيتين هو العمل الذي يسوقهم إلى عذاب النار أفتهوكهم فيه انما هو تهوّك من لا يبالي به ، كأنه مما يطيقه ويمكنه الصبر عليه ، فلا يترك ضلالته اتقاء له . وصيغة التعجب قالوا يراد بها تعجيب الناس من شأنهم إذ لا تتصور حقيقة التعجب من اللّه تعالى إذ لا شيء غريب عنده عز وجل ولا مجهول سببه ، وهو العالم بظواهر الأشياء وخوافيها ، وحاضرها عنده كماضيها وآتيها ( لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ) والصبر على النار غير واقع منهم فيتعجب منه حالا ، ولا متوقع فيتعجب منه مآلا ، فلا صبر هنالك يتعجب منه ، وانما حالهم في تهوكهم وانهماكهم في العبث بدين اللّه هو الذي جعل موضع التعجب للتنفير والتشنيع عليهم .